في 1976 حصل إنقلاب عسكري في الأرجنتين من الجنرال خورخي فيديلا حكم بقوة السلاح لحد 1981 ، خلال المدة دي تم اعتقال الالاف من النشطا اليساريين واخفائهم قسريا (وصل عددهم ل 30 ألف ) اتقتلوا واترمت جثثهم من الطيارت وفيه منهم اللي اتدفنوا في مقابر جماعية في اماكن مجهولة منها اللي تم اكتشافه ومنها اللي لسه لحد حالا متمش الوصول لجثثهم .
من ضمن اللي اختفوا خلال المدة دي بعد القبض عليها الناشطة اليسارية لورا كارلوتو في 1977 هي وصديقها والتر مونتويا ، بعض الناجين حكوا ان والتر اتقتل قدام لورا أثناء التحقيق معاها في أحد السجون العسكرية ، ستيلا دي كارلوتو والدة لورا بدأت رحلة بحث عنها بدون جدوي خاصة ان الجهات القضائية كانت تابعة للسلطة العسكرية والقانون مكنش فيه أي توضيح لحالة المختفين ومفيش اي اوراق تثبت ان بنتها عندهم ، ستيلا في رحلة البحث عرفت انها مش لوحدها وفيه 30 ألف أم وزوجة زيها بيبحثوا عن ذويهم اللي اتقبض عليهم واختفوا ، بدأ الستات دول يتجمعوا مع بعض وشوفوا هم ممكن يعملوا ايه ( صدر وقتها قانون بيجرم التظاهر وبيعتبر أي تجمع أكتر من 5 مظاهرة ) ، الأمهات قرروا انهم يتجمعوا في ميدان قدام قصر الرئاسة اسمه ( دي مايو ) وعشان ميتقبض عليهم بدؤا يفرقوا نفسهم لدواير كل دايرة 5 بس وبيقفوا ساكتين ، وعشان الناس اللي معديين في يعرفوا هم مين بقوا بيلبسوا تحجيبه صغيرة بيضا ويحطوا علي صدورهم صور أبنائهم المختفين ، وبيتجمعوا في جلسات دعم نفسي كل فترة ، بعد كده بقت مظاهرة الأمهات دول طقس شبه يومي في الميدان لحد ما بدأ يتنشر عنهم اسم ( أمهات ميدان بلازا دي مايو ) ، بدأت أعدادهم تكتر كل يوم وبعد ماكان الموضوع عادي ابنلسبة للأجهزة الأمنية بقي موضوع مزعج فقررت السلطات العسكرية الافراج عن بعض النشطاء بس مقتولين أهلهم يروحوا يستلموا جثثهم أو يلاقوهم مرميين في الشوارع وعلي الطرق ، كان من ضمن الجثث في 1978 جثة لورا بعد إختفاء لسنة تقريبا ، لما استلمت ستيلا جثة بنتها كانت مضروبة برصاص في البطن وراسها تعرضت للتهشيم من البنادق ، ستيلا عرفت عن طريق بعض الناجين إن بنتها لورا كانت حامل قبل دخولها السجن من صديقها والتر وانها ولدت داخل مستشفي بوينس ايرس العسكري طفل ، في الوقت ده كان الأجهزة الأمنية بتاخد أطفال النشطاء اللي بيتم القبض عليهم أو اللي بتولدوا داخل المعتقلات السرية من عمليات الإغتصاب أو الحمل السابق للإعتقال ويدوهم لأسر ظباط في الجيش يتبنوهم أو لأسر في الريف عشان محدش يقدر يوصلهم ووصل عدد الأطفال اللي حصل معاهم ده 500 طفل ، ستيلا مع بقية الستات قرروا انهم يكملوا نضالهم ضد النظام العسكري من غير اي ادوات في ايديهم غير حبهم لولادهم ورفضهم للي حصل في رحلة مستميته مع أجهزة أمنية وحالة مرعبة من الغباء والديكتاتورية ، بدؤا ينظموا جهودهم ويجمعوا كل المعلومات اللي قدروا عليها عن المختفين في الأرجنتين ويتواصلوا مع الأمهات والزوجات في كل المدن والقري ، في نفس السنة كان مونديال العالم لكرة القدم في الأرجنتين وكل صحف وقنوات العالم بتنقل من الأرجنتين ، الأمهات قرروا انهم يستخدموا الحدث ده في انهم يوصولا صوتهم للعالم كله وفعلا نجحوا في ده وخلقوا حالة عالمية من الجدل والنقاش عن وضع حقوق الانسان في الارجنتين وبدات منظمات دولية تتواصل معاهم عشان يساعدوهم يوصلوا صوتهم وفيه لاعبين كرة رفضوا الاشتراك في اللعب علي ارض الارجنتين بسبب الانتهكات اللي بتحصل من الحكومة وده سبب احراج دولي كبير للنظام العسكري ، بدات عمليات تضييق علي الامهات ومبقوش قادرين يعملوا اجتماعاتهم واي صحفي بيكتب عنهم او يتقابل معاهم بيختفي وبعدها يظهر مقتول ، إحدي الكنايس قررت انها تستضيف اجتماع ليهم ( كتائب الموت ) التابعين للبوليس السري اقتحموا الكنيسة واختطفوا 3 أمهات وراهبتين منهم واحدة فرنسية وصحفيين متضامنين واخفوهم هم كمان .
برغم كل الصعوبات اللي واجهتهم ستيلا ومعاها بقية الامهات قرروا انهم يكملوا نضالهم السلمي من اجل ابنائهم ومن اجل الحقيقة ومع سوء الاوضاع الاقتصادية اضطر المجلس العسكري لتقديم الاستقالة في 1981 بعد الانهيار الاقتصادي وكم الانتهاكات والجرائم اللي ارتكبوها ، الأمهات قرروا تكملة نضالهم للعثور علي اماكن المعتقلات السرية اللي فيها اولادهم والوصول للمقابر الجماعية لكن للاسف مقدروش يوصلوا لكل المختفين ، بدئوا يرفعوا قضايا في المحاكم يطالبوا بحقوقهم وعشان الوقت طويل قرروا يعملوا بنك لل DNA لكل الأمهات والجدات علشان لو واحدة منهم ماتت وبعد كده لو وصلوا لجثث جديدة يقدروا يحددوا بتاعت مين حتي لو الأم أو الجدة ماتت وكمان عشان الأحفاد اللي بدؤا يدوروا عليهم ، سجلوا ألاف الشهادات لكل اللي حضر ارتكاب جريمة او شافها او معاه دليل وبدؤا مرحلة محاكمات للجنرالات اللي كان منهم 3 رؤساء جمهورية قبل كده وأعضاء في المجلس العسكري في الارجنتين وارجواي وبرجواي وتشيلي وخدوا احكام ضدهم بالسجن مدي الحياة واحكام ضد كل اللي شاركوا في عمليات الاخفاء والقتل ، ضغطوا علي المجتمع الدولي عشان يصدر تشريعات دولية تجرم الاختفاء القسري ونجحوا في ده فعلا ، قرروا انهم ينشئوا منظمة مجتمع مدني تعمل علي القضايا المتعلقة بالاختفاء القسري والقتل خارج إطار القانون وحاليا هم بيديروا المنظمة دي بقوة 8 ألاف موظف وبينقلوا تجربتهم لكل اللي بيحصل في حقهم انتهاك من نفس النوع .
طول المدة دي ستيلا كانت بتحارب في نضال مستميت مع الامهات في البحث عن ابنائهم واحفادهم تم اختيارها قائدة لمجموعة الامهات في 1989 ، خلال ال30 سنة قدروا يحققوا نجاحات مهولة ومن وسط الألم صنعوا أمل كبير للشعب كله ، قدروا يوصولا كمان ل 113 حفيد من اللي كان تم تبنيهم من اسر تانية لكن للاسف ستيلا مكنتش لقت حفيدها وكانت امنيتها الوحيدة انها تشوفه قبل ما تموت ، ولما كانت بتتسال عن ده كانت بتقول اهم حاجة اننا بنقدر نحقق نجاحات وبنلاحق الجناة وبنوصل لاحفاد .
في 2014 موسيقار وصاحب مدرسة تعليم موسيقي اسمه إجناسيو هوربن كان عمل حفلات خيرية مع المنظمة قبل كده عرف انه كان طفل بالتبني وقرر يروح بنك الDNA عشان يعمل تحليل ويعرف هو ابن مين بعد 36 سنة اكتشفوا انه هو حفيد ستيلا دي كارلوتو اللي اتولد في مستشفي عسكري بعد اختطاف والدته لورا واحد الظباط خده اداه لاسرة فلاحين شغالين في ارضه عشان مكنش عندهم ابن وعشان يكبر ويساعدهم في الارض ولحد حالا فيه تحقيقات مع والديه ( بالتبني ) انهم زوروا اوراق رسمية وتعانوا مع السلطات الديكتاتورية ، اجناسيو بعد ما رجع لاسرته سادت حالة من الدهشة وعدم التصديق عليه وعلي جدته اللي لو حد تاني مكانها كان فقد الامل من زمان ، اجناسيو فضل فترة في الأرجنتين بعد نشر خبر العثور عليه كل ماحد يقابله يحضنه ويعيط لدرجة انه كان بيقول ( الأرجنتين كلها بكت علي كتفي ) من كتر الفرحة .
ساحة يلازا دي مايو ( مكان تظاهر الأمهات في فترة الحكم العسكري ) معمول فيها نصب تذكاري عليه اسماء كل المختفين ، لحد النهاردة جدات دي مايو بيواصلوا نضالهم وبيحصلوا علي احكام وبينشروا رسالتهم من أجل التغيير السلمي والحقيقة والعدالة والحصول علي الحقوق بدون اي تنازل .
تجربة عظيمة ومازالت محتاجة اننا نقرا عنها كتير
الصورة بالأبيض والأسود لستيلا وبنتها لورا قبل اعتقال لورا ، الصورة بالألوان لستيلا بعد 36 سنة من النضال مع حفيدها اجناسيو
