تهدف هذه الدراسة الى تبيان القصور الفكرى الذى لحق بالمجتمع نتيجة تبنيه لأفكار وتطبيقه لها بممارسات عملية أهدرت قيمة الإنسان وحقه فى الحياه، ونحن إن كنا سنتناول هذه الأفكار فلن نكون بمنأى عن المنطلقات الفكرية لهذه الأفكار أو عن الأسباب التى أعطتها الاستمراية حتى عصرنا الحالى وهوالعصرالمختلف شكلا وموضوعاً فى طريقة تناوله لمثل هذه الأفكارعما كان فى السابق، فنحن لن نتحامل على الفكرة وحامليها لحساب التاريخ والصراعات التى صاحبت تلك الأفكاروالبيئة التى تمخضت عنها، وأيضا لن ننصف هذه الأفكار على حساب قيمة الأنسان وحريته وحقه فى الحياه.
هناك الكثير من الأفكار والممارسات التى يتقبلها المجتمع رغم ما فيها من إهدار لقيم الإنسانية والعدالة فقط لأنها وصلت الى الوعى الجمعى على أنها من المسلمات والبديهات، من أهم هذه الأفكار هى فكرة “حد الردة” (1) وهذا له عدة أسباب منها ما يرتبط بالمجتمع ومستوى وعيه وتعاطيه مع هذه الأفكار ومنها ما يرتبط بالسلطة ودورها فى جعل هذه الممارسات من المسلمات نظراً للتكرار والتقادم فيها، وأيضا الإرتباط الأهم فى موضوعنا وهو الارتباط العقائدى والدينى ودور المؤسسات الدينية الرسمية فى الحفاظ على مثل هذه الأفكار بجوهرها حتى وان تم تعطيليها فى أغلب الأحيان، الا أنها تستخدم عند الحاجة اليها كما حدث مثلا فى القضية الشهيرة للدكتور نصر حامد أبو زيد وحكم التفريق بينه وبين زوجته وهى إحدى القضايا التى تم النظر فيها أمام القضاء فى عصرنا هذا والذى رغم ما وصل اليه من تشريعات وما تم فيه من استحداث عقوبات تناسبه إلا أنه تم الاستعانة بهذه الافكار وتطبيقها أو كانت إنطلاقاً منها على أقل تقدير وهو ما يعد ردة فكرية بكل المقاييس ولا تناسب نظام الدولة الحديث حيث أن أفكار كتلك نشأت فى بيئة مغايرة تماما لعصرنا حيث كان المفهوم السائد وقتها هو وحدة الجماعة ونبذ الإختلاف وكان ينظر للناس وقتها على أنهم كل متجانس متحد وأى إختلا ف يجب بتره ولكن فى عصرنا الحالى الإختلاف لم يعد جريمة بل ضرورة نشأت بنشوء المصالح وتعبر عنها النظم الحديثة لإدارة الدولة بالمجالس التشريعية والأحزاب السياسية والقوانين وغيرها.
فى هذه الدراسة سنوضح مفهوم حد الردة، كيف نشأ هذا الحد وما مدى صحة الثوابت والأدلة العقائدية التى يستند اليها وما موقف القرآن والسنة القولية والعملية من هذا الحد وسنوضح الملابسات التاريخية التى كانت وراء نشأة هذا الحد، وسنبين مدى صحة الآراء التى أيدت حد الردة حارصين فى تناولنا بالموضوعية قدر طاقتنا دون تحيز سوى للأنسان وقيمته.
ما هو حد الردة
…………………..
الحدود وحد الردة فى القرآن الكريم .
وردت كلمة حدود فى القرآن 14مرة، وجاءت كلها بمعنى حقوق الله وتشريعاته، ولم تأتى على الإطلاق كتعبير عن العقوبة أو مرداف لها كما هو موجود الآن كـ”حدالردة” و”حد الزنا” وغيرها.
وجاءت كلمة الحدود فى القرآن فى مواقف مختلفة كالتالى:
- تسع مرات فى تشريعات الزواج والطلاق
- أربعة منها فى آية واحدة والتى تتحدث عن الطلاق الأول والثانى للزوجة والتى وردت فى سورة البقرة فى الآية رقم }229{ (1)
- مرتان فى الآية التى تتحدث عن الطلاق للمرة الثالثة للزوجة والتى وردت فى سورة البقرة فى الآية رقم }230{(2)
- مرتان فى الآية التى تتحدث عن تحريم إخراج الزوجة المطلقة قبل إنقضاء عدتها والتى وردت فى سورة الطلاق فى الآية رقم }1{ (3)
- مرة فى الآية التى تتحدث عن موضوع الظهار، أى إذا حرم الرجل زوجته على نفسه فلا يرجع اليها إلا بعد تقديم الكفارة والتى وردت فى سورة ……..فى الآية رقم ……(4)
- مرتان فى تشريع الميراث والتى وردت فى سورة النساء فى الآيات رقم }13{،}14{ (5)
- مرتان بمعنى شرع الله وأومره والتى وردت فى سورة التوبة فى الآيات رقم }97{ ؛ }112{(6)
- مرة فى تشريع الصيام والتى وردت فى سورة البقرة فى الآية رقم }187{(7)
هذه هى المواضع التى جاءت فيها لفظ ” الحدود” فى القرآن وكلها تعنى شرع الله ولم تأتى كمرادف للعقوبات التى إستحدثت بعدها كحد الردة والسرقة وغيرها وكلها نشأت فى عصورلاحقة، أما فيما يخص تناول القرآن الكريم لحد الردة بالخصوص فقد ذكر القرآن الكريم موضوع الردة بالتحديد فى أربعة مواضع لم يكن فيها كلها ما يؤيد أن الحاكم مختص بعقاب المرتد وإنما كلها توكل أمره لله تعالى، وجاءت كالتالى:
- أولاً ورد فى قوله تعالى : ﴿إِنّ الّذِينَ ارْتَدّواْ عَلَىَ أَدْبَارِهِمْ مّن بَعْدِ مَا تَبَيّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشّيْطَانُ سَوّلَ لَهُمْ وَأَمْلَىَ لَهُمْ﴾ (8)، حتى تكملة الآيات الى قوله تعالى ﴿ذَلِكَ بِأَنّهُمُ اتّبَعُواْ مَآ أَسْخَطَ اللّهَ وَكَرِهُواْ رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ (9)، وهنا لن تجد ما يفيد بتطبيق حد الردة فى هذه الآية.
- ثانياً فى قوله تعالى: ﴿يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبّهُمْ وَيُحِبّونَهُ أَذِلّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ﴾ (10) وهنا يحذر الله المؤمنين من الإرتداد وجاءت العقوبة أنه سيستبدل قوماً غيرهم لأن الله تعالى غنى عنهم ولن يضروه شيئاً حتى ولو كفروا جميعاً(11)
- ثالثاً قوله تعالى ﴿يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مّنَ الّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ يَرُدّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ (12) وهنا يحذر الله المؤمنين من دسائس بعض أهل الكتاب.
- رابعاً فى قوله تعالى ﴿وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتّىَ يَرُدّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِن اسْتَطَاعُواْ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَـَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدّنْيَا وَالاَخِرَةِ وَأُوْلَـَئِكَ أَصْحَابُ النّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (13) وهنا يحذر الله المؤمنين من محاولات المشركين لإضطهادهم، وفى كل الايات لم يذكر الله أن عقوبة المرتد هى القتل وحد الردة، ففى الآية الأخيرة والتى جاءت مباشرة وصريحة وقاطعة لم يقل الله فيها أن من يرتد منكم فجزاءه القتل أو حد الردة وإنما توعد هؤلاء بالعقاب فى الآخرة وهو من إختصاص الله وليس البشر.
إذن هذه هى المواضع التى جاء فيها لفظ “الحدود” وأيضاً المواضع التى خصت موضوع الردة فى القرآن وكلها تعنى شرع الله فيما يخص لفظ الحدود وأما المواضع التى إختصت بالردة كلها كما رأينا تخص الله تعالى فى حساب من يرتد وليس البشر، بل وأيضاً سنذكر الآن مثالاً عملياً عن كيفية تناول القرآن الكريم لأول حالة إرتداد حدثت بالفعل، وكيف كان التعاطى مع المسألة بما لا يدع مجالاً لأحد بأن يبتدع من عنده.
أول حالة إرتداد فى الإسلام
كنا قد إتفقنا عزيزى القارئ على أن القرآن لم يرد به نص قاطع وواضح فى أمر غاية فى الأهمية ومتعلق بحياة الناس كعقوبة القتل فى حالة الإرتداد عن الدين وخلصنا الى هذه الحقيقة بشهادة القرآن نفسه، وهنا تأكيداً لما ذكرناه بمثال من الواقع الفعلى الذى تدور فيه الأحداث وما أسعدنا عندما نعرف أن القرآن قد تناول أول حالة إرتداد فى الإسلام بكل سماحة وسمو وكفالة لحق الإنسان وحريته فى الإعتقاد بنص واضح وقاطع، وقد جاء هذا فى الآية الكريمة ” لا إكراه فى الدين قد تبين الرشد من الغى” (14) ويقول الإمام السيوطى أن هذه الآية نزلت بعد أول حالة إرتداد فى الإسلام، فقد كان لشخص يدعى أبا الحصين الأنصارى ولدان إرتدا عن الإسلام وتنصرا وذهبوا من المدينة إلى الشام فأمر والدهما بطلبهما فنزلت هذه الآية (15) وبهذه الآية القرآن قد وضع قاعدة تشريعية كلية بنص واضح وقاطع والمعنى واضح وناصع أيضاً أنه لا ينبغى أن يكون هناك أى إكراه لدخول الدين أو الخروج منه، فالله تعالى يريد ممن يعبده أن يكون حر فى إختياره وليس مكره عليه، يعبده حباً فيه وليس لأنه تم سلب حريته التى كفلها الله له وتم إكراهه على ذلك، فوقتها سيكون رياء وخوف من الإكراه، فالقاعدة الكلية هنا تعنى التخير الذى هو أساس التكليف والذى سيحاسب الله عليه فى الآخرة.
وبما أن الباب الذى يدخل منه المتأولين على شرع الله هو التفتيش عن السرائر والبحث فى العقائد سنتناول الان بشكل أوسع كيف أن الإسلام كفل حرية الإعتقاد بما يسد هذا الباب فى وجه كل من يتعدى على إختصاص الله فى تعامله مع البشر.
حرية الإعتقاد فى الإسلام
إن القرآن كفل الحرية بكافة أشكالها ومنها ضمنياً حرية الإعتقاد فالنبى نفسه لم يحدث وأن قام بعمل محاكم تفتيش مثلا للمنافقين والذين كانوا يعلنوا معارضتهم له علنا ويتآمرون عليه، والمعارضة هنا دينية وسياسية، وحينما كان يعلن بعضهم كفره صراحةً، لم يكن الرسول يحكم عليهم بالموت كعقوبة على ذلك، بل ولم يكن يسجنهم أو يضطهدهم بل كان رد فعله هو الحزن، يقول الله تعالى له ﴿يَأَيّهَا الرّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الّذِينَ قَالُوَاْ آمَنّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ﴾ (16) هذا هو رد فعل الرسول صاحب الدعوة والمنوط بتبليغها وحمايتها، كان رد فعله هو الحزن وليس القتل، ولو كان فى الإسلام ما يدعو إلى قتل المخالف فى العقيدة لم يكن الرسول بغافل عنه وهو المبلغ من ربه والموحى اليه.
بل يوضح لنا القرآن فى مواضع كثيرة مفهوماً أعمق لحرية الإعتقاد وأننا كبشر ليس لنا بأن نحاسب هؤلاء الذين يسارعون فى الكفر والردة بل يبلغنا القرآن بأن هؤلاء لن يكون لهم حظ فى الآخرة وكفى، وليس لنا حق فى عقابهم أواضطهادهم فى الدنيا، يقول تعالى لرسوله: ﴿وَلاَ يَحْزُنكَ الّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنّهُمْ لَن يَضُرّواْ اللّهَ شَيْئاً يُرِيدُ اللّهُ أَلاّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظّاً فِي الاَخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ. إِنّ الّذِينَ اشْتَرَوُاْ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ لَن يَضُرّواْ اللّهَ شَيْئاً وَلهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (17) وبهذا جعل الله تعالى قضية الكفر والإيمان من إختصاصه وحده وليست من إختصاص البشر بل وليست حتى من إختصاص نبيه وليس عليه إلا التبليغ والإنذار، وأمره ألا يحزن إذا إرتد بعضهم لأن هؤلاء لن يضروا الله شيئاً وحسابهم سيكون من إختصاص الله تعالى.
ليس هناك فى الإسلام الحقيقى ما يعرف بحد الردة ولو كان يوجد كان أجدر بالرسول (ص) أن يطبقه فى أوقات كان يشتد فيها التآمر عليه من المنافقين وهو الوقت العصيب الذى تدور فيه الحرب وهو بمقياس عصرنا الحالى ما يعد خيانة عظمى يحاسب عليها القانون حالياً، يقول الله تعالى عن ذلك ﴿الّذِينَ يَتَرَبّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مّنَ اللّهِ قَالُوَاْ أَلَمْ نَكُنْ مّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوَاْ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مّنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ (18)، فالله تعالى هنا يخاطب النبى بقوله ﴿فالله يحكم بينكم﴾ أى أن الحكم مؤجل الى يوم القيامة، وأنه إذا كان هناك ما يسمى بحدالردة فكان الأجدر بالرسول بأن يطبقه فى مثل هذا الوقت العصيب، بل أن القرآن أناط بالمسألة لدرجة السمو مع المخالف فى قوله تعالى ﴿وَقِيلِهِ يَرَبّ إِنّ هَـَؤُلاَءِ قَوْمٌ لاّ يُؤْمِنُونَ. فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلاَمٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ (19) فالرد على المختلف فى العقيدة معك لا يكون بالدعوة الى قطع رقبته بل يدعو الله الى الصفح وقول السلام وأن الحساب سيكون يوم القيامة خاص بالله وحده دون غيره.
لا يوجد فى الإسلام ما يدعو إالى التفتيش على عقائد الآخرين وخطرات نفوسهم فهذا يعتبر إعتداء على خصوصيات الله تعالى فهو المتفرد وحده بالحكم فى العقائد وقد أجله للآخرة وليس لأحد من البشر إقحام نفسه فيما يخص الله .
هذا هو القرآن وهذا ما جاء فيه، أما ما حدث لاحقاً فيما يتعلق بالعقوبات كحد الردة الذى نحن بصدده فقد تم إبتداعها فى العصر العباسى والأموى وذلك يدل على أن هذه العصور وفقهائها قد نحتوا لهم مسميات خاصة لا تتفق وتشريعات القرآن، متأثرين بصراعات وفتن كثيرة وظروف سياسية إستلزمت سفك الدماء، والتدوين كان عامل مهم فى تلك الصراعات لإضفاء غطاء شرعى وعقائدى على الممارسات التى تتم فى المعارضين، وبما أن القرآن لم ينص على ذلك صراحة فقد لجئ الحكام الى الاستعانة بالفقهاء والذين بدورهم إبتدعوا حد الردة ووضعوا له حديثين يستطيع بهما الحكام مطاردة خصومهم السياسيين بغطاء شرعى زائف وليس له أساس
وخلاصة القول هى أن ما يعرف بحد الردة يقوم حديثين فقط وهما حديثى آحاد تفيد الظن ولا تفيد اليقين ورد أحدهما فى البخارى (20) ، وورد الآخر فى صحيح مسلم (21) وهى الأحاديث التى سنتناولها بإستفاضة فى الصفحات القادمة والتى سنتناول فيها حد الردة فى ضوء السنة